ابن ميثم البحراني
94
شرح نهج البلاغة
أقول : يقال : هذا منزل قلعة بضمّ القاف : أي لا يصلح للاستيطان . والنجعة بضمّ النون : طلب الكلاء . والعتيد : المهيّأ المعدّ . واللعقة بالضمّ : اسم لما تأخذه الملعقة . وفي هذا الفصل نكت : فالأولى : التحذير من الدنيا والاستدراج إلى تركها بذكر معايبها وذلك من أوّل الفصل إلى قوله : انقطاع السير . فأشار أوّلًا إلى أنّها لا تصلح للاستيطان وطلب الكلاء ، وكنّى به عمّا ينبغي أن يطلب من الخيرات الباقية الَّتي هي محلّ الأمن والسرور الدائم . وثانيا إلى أنّ زينتها سبب لاستغفالها الخلق والاغترار بها سبب لاستحسانها . فإن قلت : فقد جعل الزينة سببا للغرور ، والغرور سببا للزينة وذلك دور . قلت : إنّما جعل الزينة سببا للاستغرار ، والغرور سببا لاستحسانها وعدم التنبّه لمعايبها . فلا دور . وثالثا : أنّها هانت على ربّها : أي لم تكن العناية الآلهيّة إليها بالذات فلم تكن خيرا محضا بل كان كلّ ما فيها ممّا يعدّ خيرا مشوبا بشرّ يقابله ، وذلك بحسب الممكن فيها وزهادة خيرها بالنسبة إلى خير الآخرة . الثانية : التأديب بأوامر : أحدها : أن يجعلوا فرائض اللَّه عليهم من جملة ما يطلبونه منه ، والغرض أن تصير محبوبة لهم كمحبّتهم لما يسألونه من مال وغيره فيواظبوا على العمل بها . الثاني : أن يسألوه أداء حقّه عنهم ، وذلك بالإعانة والتوفيق والإعداد لذلك كما سألهم أداء حقّه ، والغرض أيضا أن يصير الأداء مهمّا لهم محبوبا إليهم ، ونحوه في الدعاء المأثور : ألَّلهمّ إنّك سألتني من نفسي ما لا أملكه إلَّا بك فأعطني منها ما يرضيك عنّى . الثالث : أن يسمعوا داعى الموت آذانهم : أي يقصدون سماع كلّ لفظ يخوّف الموت وأهواله ، وذلك بالجلوس مجالس الذكر ومحاضرة الزاهدين في الدنيا ، وفائدة ذكر الموت تنغيص اللذّات الدنيويّة كما قال عليه السّلام : أكثروا ذكر هادم اللذّات . الثالثة : شرح حال الزاهدين في الدنيا ليهتدي من عساه أن ينجذب إلى اللَّه إلى